ابن عربي

72

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الرحمة في العرش الحاوي على جميع أجسام العالم ، فكل ما يناقضها أو يريد رفعها من الأسماء والصفات فعوارض لا أصل لها في البقاء ، لأن الحكم للمستولي وهو الرحمن ، فإليه يرجع الأمر كله ، فيكون المآل للرحمة التي وسعت كل شيء ، فهو في الدنيا يرزق مع الكفر ويعافي ويرحم ، فكيف مع الإيمان والاعتراف في الدار الآخرة على الكشف كما كان في قبض الذرية ؟ - إشارة - قرأ أبو العباس العريبي « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ » وقف والابتداء « اسْتَوى » . [ سورة طه ( 20 ) : آية 6 ] لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ( 6 ) أي ثبت له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، فالاسم الرحمن ثابت الحكم في كل ما يحوي عليه العرش ، وهو قوله ( ورحمتي وسعت كل شيء ) فمآل الكل إلى الرحمة وإن تخلل الأمر آلام وعذاب وعلل وأمراض مع حكم الاسم الرحمن ، فإنما هي أعراض عرضت في الأكوان دنيا وآخرة ، ومن أجل أن الرحمن له الأسماء الحسنى ، ومن الأسماء الضار والمذل والمميت ، فلهذا ظهر في العالم ما لا تقتضيه الرحمة ولكن لعوارض ، وفي طي تلك العوارض رحمة ، ولو لم يكن إلا تضاعف النعيم والراحة عقيب زوال حكمه ، ولهذا قيل : أحلى من الأمن عند الخائف الوجل ، فما تعرف لذات النعيم إلا بأضدادها ، فما ثمّ حكم إلا للرحمن لأنه المستوي على العرش ، فلا تنفذ الأحكام إلا من هذا الاسم ، فالرحمن استوى على عرشه ، وما انقسمت الكلمة إلا من دون العرش ، من الكرسي فما تحته ، فإنه موضع القدمين ، ليس سوى انقسام الكلمة ، فظهر الأمر والخلق ، والنهي والأمر ، والطاعة والمعصية ، والجنة والنار ، وكل ذلك عن أصل واحد وهي الرحمة التي هي صفة الرحمن . [ سورة طه ( 20 ) : آية 7 ] وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 7 ) [ « فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ » ] الوجه الأول - يدل ظاهر الآية في قوله تعالى « فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ » أي ما يحدّث المرء به نفسه ، لقوله وإن تجهر بالقول ، فإنه يعلم ذلك ويعلم ما تحدث به نفسك ، وهو قوله ( ونعلم ما توسوس به نفسه ) ومتعلق السر الاسم الباطن ، وهو ما يسره العبد في نفسه ،